السيد محمد حسين الطهراني (تعريب: عبد الرحيم مبارك)
150
رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم
--> إلى ذلك المقصود . ومن الواضح أنّ الأمر كذلك في مجال الأمراض الروحانيّة التي يجب الرجوع فيها إلى المتخصّص والطبيب الروحانيّ . وأصرح منها جميعاً : كلام أمير المؤمنين عليهالسلام في « نهج البلاغة » ، الخطبة 220 ، حيث يذكر مطالب تثير العجب في آثار وصفات هؤلاء العلماء الربّانيّين : وَمَا بَرِحَ لِلَّهِ عَزَّتْ آلَاؤُهُ في البُرْهَةِ بَعْدَ البُرْهَةِ وَفي أزْمَانِ الفَتَرَاتِ عِبَادٌ نَاجَاهُمْ في فِكْرِهِمْ ، وَكَلَّمَهُمْ في ذَاتِ عُقُولِهِمْ ، فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ في الأبْصَارِ وَالأسْمَاعِ وَالأفْئِدَةِ . يُذَكِّرُونَ بِأيَّامِ اللهِ وَيُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ بِمَنْزِلَةِ الأدِلَّةِ في الفَلَوَاتِ ، مَنْ أخَذَ القَصْدَ حَمِدُوا إلَيْهِ طَرِيقَهُ وَبَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ ، وَمَنْ أخَذَ يَمِيناً وَشِمَالًا ذَمُّوا إلَيْهِ الطَّرِيقَ وَحَذَّرُوهُ مِنَ الهَلَكَةِ . وَكَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ وَأدِلَّةَ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ ، وَإن لِلذِّكْرِ لأهْلًا أخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلًا ، فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْهُ ، يَقْطَعُونَ بِهِ أيَّامَ الحَيَاةِ وَيَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ في أسْمَاعِ الغَافِلِينَ ، وَيَأمُرُونَ بِالقِسْطِ وَيَأتَمِرُونَ بِهِ ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ ، فَكَأنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيَا إلى الآخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ ، فَكَأنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أهْلِ البَرْزَخِ في طُولِ الإقَامَةِ فِيهِ ، وَحَقَّقَتِ القِيَامَةُ عَلَيهِمْ عِدَاتِهَا فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لأهْلِ الدُّنْيَا ، حتّى كَأنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النَّاسُ وَيَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ . . . . إلى أن يقول : يَعِجُّونَ إلى رَبِّهِمْ في مَقَاوِمِ نَدَمٍ وَاعْتِرَافٍ ، لَرَأيْتَ أعْلَامَ هُدى وَمَصَابيحَ دُجَى ، قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ المَلَائِكَةُ ، وَتَنَزَّلتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أبْوَابُ السَّمَاءِ وَاعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الكَرَامَاتِ ، في مَقَامٍ اطَّلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ إلى آخر الخطبة . ومن المسلّم أنّ مثل هؤلاء الأفراد يمكنهم التكفّل بتربية السالك ، لأنّهم وفقاً لهذا الكلام الذين يهتفون في أسماع الغافلين بالطرق المختلفة يزجرونهم عن ارتكاب محارم الله تعالى التي سبقوهم في التناهي عنها ، ويأمرونهم بالعدل والقسط الذي سبقوهم بالعمل به . حتّى كأنّهم اطّلعوا على خفايا أهل البرزخ في طول إقامتهم فيه ، فهم يكشفون لأهل الدنيا عن تلك الأمور الحقّة . وكأنّهم يرونَ ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون . قد أحاطت بهم ملائكة السماء من كلّ صوب وحدب ، وتنزّلت عليهم السكينة ، وفُتِحت لهم أبواب السماء ، وأُعدّت لهم مجالس الكرامة ، في مقام لا يطّلع عليه إلّا الله تعالى ، قد شَكَر اللهُ سَعيهم وحمِد مقامهم . طيّ اين مرحله بي همرهي خضر مكن * ظلماتست بترس از خطر گمراهي يقول : « لا تطوينّ هذه المرحلة دون أن تصطحب الخضر ، فهي ظُلمات عليك أن تخشي الضياع فيها ! » .